أحمد بن علي القلقشندي
91
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
وحمدا مجيدا ، فقد وصل كتابكم الأثير ، المزري بالمسك النّثير ، فاجتلينا منه روضة جادها البيان فأمرعها ( 1 ) ، ورادها البنان فوشّعها ، واجتنينا من غصون سطوره ثمرات وداد ما أينعها ، إنباء عما تلقّاه الإخاء الكريم من قبل الشيخ الأجل ، أبي عبد اللَّه محمد بن الجرّاح مما عنّا تحمّل ، وفي إلفائه وأدائه بحضرتكم الكريمة أحسن وأجمل ، وهو ما كان عليه عزم مولاتنا الوالدة ألحقها اللَّه تعالى رضوانه ، وبوّأها جنانه ، من حجّ البيت المحرّم ، وزيارة [ القبر ] المعظَّم المكرّم ، والصلاة بالمسجد الحرام ومسجد النبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم ، وثالثها في شدّ الرحال للمسجد الأقصى ونعم المغتنم ، وقضاء النّسك بتلك المناسك والمشاهد ، والتبرّك بتلك المعالم المنيفة والمعاهد ، وما وصف مع ذلك بهذا الجانب الغربيّ ، ورصف من أمر قتالنا لكلّ مارق أبيّ وكافر حربيّ ، وما منحنا اللَّه من نصر لقلوب أهل الإيمان مبهج ، ولصدور عبدة الصّلبان محرج ، وأن الإخاء الكريم حصل له بذلك أبهى ابتهاج ، وحلّ منه محلّ القبول الذي انتهج له من اقتفى سبيل القصد أنهى انتهاج ، فعقد العزم على تلقّي الوافد من تلقائنا ، والوارد رجاء أداء فرض الحجّ من أرجائنا ، بتسهيل سبيله ، وتيسير ارتحاله إلى بيت اللَّه ورسوله ، وأنه متى وقع الشّعور بمقدم المولاة رحمها اللَّه تعالى على بلاده ، وقربها من جهاته المجودة من جود جوده بعهاده ، يقدّم للخروج من يتلقّى ركابها ، ويعتمد بالبرّ والتكريم جنابها ، حتّى تحمد وجهتها الشريفة بجميل نظره وإيابها ، وقام عنّا بما نودّه من برّها ، وساهم فيما تقدّمه إلى اللَّه عزّ وجلّ من صالح أجرها . وقد قابلنا هذا الفضل من الشّكر بأجزله ، ومن البرّ بأحفاه وأحفله ، وحصل لدينا بإزائه سليم ودّه وكريم إخائه ، من تخليص ولائه ، وتمحيص صفائه ، منّا ما يزال عهده الأنيق في نهائه ، وعقده الوثيق في ازدياده ونمائه ، وغصنه الوريق في رونق غلوائه ، ولئن كانت المولاة الوالدة قدّس اللَّه روحها ، وبرّد ضريحها ، قد وافت بما قدّمت عند اللَّه من صالح
--> ( 1 ) يقال : مرع المكان والوادي : أخصب وأكلأ ، وأمرع رأسه بدهن أي أكثر منه وأوسعه . لسان العرب ( مرع ) .